الشيخ محمد رشيد رضا

439

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

من كان في « سَمُومٍ وَحَمِيمٍ » يكون شعوره بالحاجة إلى الماء البارد أشد من شعوره بالحاجة إلى الطعام الطيب . روي عن ابن عباس أنه قال في تفسير هذا الاستجداء : ينادي الرجل أخاه فيقول يا أخي أغثني فاني قد احترقت فأفض علي من الماء ، فيقال أجبه ، فيقول ان اللّه حرمهما على الكافرين . وعن ابن زيد في الطلب قال : يستسقونهم ويستطعمونهم - وفي قوله « حَرَّمَهُما » قال طعام الجنة وشرابها . وروى عبد اللّه بن أحمد في زوائد الزهد والبيهقي في شعب الايمان ان عبد اللّه بن عمر ( رض ) شرب ماء باردا فبكى فسئل ما يبكيك ؟ قال ذكرت آية في كتاب اللّه ( وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ ) فعرفت أن أهل النار لا يشتهون الا الماء البارد وقد قال اللّه عز وجل ( أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ) اه وفيه أن الآية لا حصر فيها . وفي الشعب والتفسير المأثور عنه أيضا أنه سئل أي الصدقة أفضل ؟ فقال قال رسول اللّه ( ص ) « أفضل الصدقة سقي الماء . ألم تسمع إلى أهل النار لما استغاثوا بأهل الجنة قالوا ( أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ) وروى احمد عن سعد بن عبادة ان أمه ماتت فقال يا رسول اللّه أتصدق عليها ؟ قال « نعم » قال فأي الصدقة أفضل ؟ قال « سقي الماء » ( قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا ) الحرام في اللغة الممنوع ، والتحريم وهو المنع قسمان : تحريم بالحكم والتكليف كتحريم اللّه الفواحش والمنكرات وأرض الحرم أن يؤخذ صيدها أو يقطع شجرها أو يختلى خلاها ( أي ينزع حشيشها الرطب ) وتحريم بالفعل أو القهر كتحريم الجنة وما فيها على الكافرين في هذه الآية وفي قوله ( إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النَّارُ ) أي قال أهل الجنة جوابا عن هذا الاستجداء : ان اللّه قد حرم ماء الجنة ورزقها على الكافرين كما حرم عليهم دخولها ، فلا يمكن إفاضة شيء منهما عليهم وهم في النار ، فان لهم ماءها الحميم ، وطعامها من الضريع والزقوم وذكروا من وصف الكافرين أنهم هم الذين كانوا سبب هذا الحرمان وهو أنهم اتخذوا دينهم أعمالا لا تزكي الأنفس فتكون أهلا لدار الكرامة بل هي إما لهو وهو ما يشغل الانسان عن الجد والاعمال المفيدة بالتلذذ بما تهوى النفس ، واما لعب وهو ما